محمد جواد مغنية

23

في ظلال نهج البلاغة

( وكمال التصديق به توحيده ) . قسّم الشارحون أو أكثرهم التصديق باللَّه إلى ناقص وكامل ، وعرّفوا الناقص بأنه التصديق باللَّه مع وجود الشريك أو إمكان وجوده ، ثم قالوا : وهذا يستلزم التركيب في الذات ، والمركب ممكن الوجود ، لا واجب الوجود . . والحق ان الشّرك لا يمت إلى التصديق والايمان بسبب ، بل هو أسوأ وأقبح من الإلحاد ، لأن الإلحاد نفي للتوحيد وكفى ، أما الشرك فهو نفي للتوحيد ، وإثبات للشرك والتعدد . ومهما يكن فإن قصد الإمام ( ع ) ان التصديق الحق لا يكون ولن يكون إلا مع تنزيه الخالق عن كل ما فيه شائبة الشرك والزيادة عن ذات اللَّه ، وأن من جعل مع اللَّه شيئا آخر فما هو من المصدقين على الاطلاق ، لا انه مصدق تصديقا غير كامل . ( وكمال توحيده الإخلاص له ) . قال بعض الشارحين : المراد بالإخلاص هنا الزهد الحقيقي ، وقال آخر : الاخلاص منه ناقص ، ومنه تام . . ولا ندري كيف يكون الاخلاص ناقصا ، ومعناه الخلوص من كل شائبة والذي نفهمه ان الإخلاص المقصود في قول الإمام ( ع ) هو الإيمان والتصديق بأن اللَّه سبحانه متفرد بالكمال المطلق ، ومنزه عن المادة ولوازمها ، وعن الجور وغيره من القبائح ، وغني عن كل شيء ، واليه يفتقر كل شيء ، وليس كمثله شيء . ( وكمال الاخلاص له نفي الصفات عنه ) . أي نفي الصفات الخارجة عن الذات وطبيعتها ، لا نفي الصفات التي هي عين الذات وحقيقتها ، وإلا فان « كلام الإمام ( ع ) مليء بصفات اللَّه سبحانه ، بل هو في هذا الكلام يصفه أكمل الوصف » كما قال الشيخ محمد عبده . وبيّنّا ذلك في صدر هذا الكلام بعنوان « نفي الصفات » . ( لشهادة كل صفة انها غير الموصوف ) . وكلمة الصفة تدل بنفسها على نفسها ، وانها من المعاني المضافة إلى الموصوف ، والتابعة له وجودا وعدما . ومن البداهة ان التابع غير المتبوع ، والمضاف غير المضاف اليه ( وشهادة كل موصوف انه غير الصفة ) . لأنه في غنى عنها ، وهي في حاجة اليه ، واذن يستحيل نسبة الصفة اليه تعالى بمعناها الحقيقي وإلا لزم تعدد القديم ، وتركيب الذات القدسية الواجبة الوجود . . وهذه هي الصفة التي يجب نفيها عنه تعالى توحيدا للكمال المطلق ، وتنزيها لذاته عن كل شائبة ، أما إذا أريد من الصفة مجرد الإشارة